وتار

الانتقال من دور "الثورية" الى "الارتزاق"

Wednesday, 03.20.2024, 09:04 PM



مشروع التوريث الخفي!
إزالة العقبات أمام المشروع.
القضاء على الرمزية الثورية.
ارهاب الشعب الكردي.
ابادة عائلة محمد آغا ميركه سوري آذار 1975
وإبادة البارزانيين في آب 1983.

مشروع التوريث الخفي!

كان هناك طوال الفترة الممتدة بين عام 1961-1970 طرفين كرديين معاديين، بيشمركه من جهة وجاش (مرتزقة) من الجهة الثانية، وكان الأول في نظره، يملك جميع مظاهر الشهامة والنبل والشرف والوطنية والتضحية من أجل الحقوق القومية للشعب الكردي، والثاني متهم بالعمالة والخيانة وفقدان الشرف والكرامة وباعوا ضمائرهم لقاء دنانير معدودة يستلمونها من الحكومة العراقية.

يقف ملا مصطفى على رأس الطرف الأول، ويقود محمود آغا الزيباري مجموعة من الطرف الثاني مع ابنه زبير واخوته وقواتهم كانت مؤلفة من أفراد عشيرة الزيبار، وكانوا تحت امرة الضباط الكبار في الجيش العراقي وتوجهاتهم.

ومن المفارقات أن ملا مصطفى (قائد البيشمركه) متزوج من ابنة محمود آغا الزيباري (قائد الجاش).

كانت تجري معارك ضارية بين قوات الجانبين، وتقع ضحايا وتحرق القرى والحقول بصورة وحشية وعلى مدى سنوات. وكان الانتماء الى جبهة المرتزقة مهانة وعاراَ في الذهن الجمعي للشعب الكردي آنذاك.

ملا مصطفى كان على صلة بصهره سراً ويشتمه علناً أمام البيشمركه.

كان ملا مصطفى قد ناهز السبعين عاماً ومسلحاً ببيان 11 آذار المُوَقَع مع صدام حسين، واعتبر بطلاً قومياً حقق الحكم الذاتي لأول مرة في التاريخ بفضل تضحيات الشعب الكردي، وأحيط بهالة من الاعجاب والمديح والأغاني التي لا تخلو من المبالغات. في الواقع بالتوقيع على بيان 11 آذار 1970حقق صدام حسين هدفه في كسب الوقت الضروري لتقوية نظام البعث المهدد بالسقوط من الداخل من خلال تهدئة الجبهة الكردية على مدى أربع سنوات.

صدام حسين الشاب 33 عاماً، أستغل الهدوء على مسارين: تصفية العناصر المشكوك في ولائها في سلك الجيش والشرطة وجهاز الأمن وفي جميع مفاصل الدولة وتبعيثها، ولم يغفل عن التآمر على القيادة الكردية وشراء ذمم عدد من القادة وزرع الجواسيس في صفوف الحركة الكردية وفي أعلى المستويات. والمسار الثاني ابرام معاهدات صداقة مع موسكو والمعسكر الاشتراكي، يضمن تدفق السلاح والمعدات والدعم السوفيتي لخطوته في تأميم الثروة النفطية، والحدّ من سيطرة احتكار الشركات الغربية على ثروات العراق.

تخلى مؤقتاً صدام حسين عن المرتزقة الكرد القدامى والمكتب السياسي القديم لـ (حدك)، وسَرّحَهم جميعاً وقطع عنهم الرواتب وهذا ما أرغمهم  على التصالح مع قيادة الحركة الكردية، عدى قلة، وفعلاً جرت "مصالحة وطنية،" بمن فيهم صهر ملا مصطفى)محمود آغا) وأخوال مسعود وعلى رأسهم زبير آغا (المدلل)  وفي حين تعاملت قيادة الحركة الكردية مع المرتزقة القدامى على أنهم مواطنون عاديون، مَيّزت القيادة الكردية محمود آغا وابنائه بمنحهم امتيازات مالية ومناصب كبيرة، والعودة الى مناطقهم كأسياد وفق النظام الاقطاعي المعمول به في خمسينات القرن العشرين،

وعندما عارض مجموعة من الفلاحين أوامر زبير محمود آغا بتسليم محاصيل قريتهم (هرنى) هذه المرة باسم الثورة الكردية، أرسل ملا مصطفى حراسه إليهم، يهددهم بالقتل وأشد التنكيل إن قاوموا إرادة زبير محمود آغا فالمفروض قبولهم كقادة بيشمركة. فَهِمَ أهل القرية أن زبير آغا يستمد سلطته المباشرة من شخص ملا مصطفى.

شعر ملا مصطفى بأهميته القصوى والاحترام الذي حظي به جماهيرياً بعد بيان آذار انه حرّ في أي خطوة يخطوها وهو غير ملتزم لا بدستور الحزب ولا بالقيم الثورية أو بالعهود التي قطعها لرفاق السلاح القدامى، ظهر عليه فقدان المناعة أمام العواطف العائلية والتي دفعته نحو تبني "مشروع الوراثة" الهدّام وان اقتضى استخدام العنف المفرط، متجاهلاً تماماً السمعة الشخصية وإذلال رفاق السلاح والقيم القومية والوطنية. وفي الواقع احتلّ هذا "المشروع" موقع الصدارة فيما تبقى من حياته وجَسّدَ ذلك نقطة الانعطاف التاريخية في تعزيز نفوذ (الجاش) المرتزقة وقِيَمهم داخل قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني، وهدم المنظومة الأخلاقية لبارزان ومحاربتها بشتى الطرق. وظهرت آثار مشروع ملا مصطفى في المدى البعيد بوضوح أكثر بعد أن خلفه ابنه مسعود واستولى على مصادر الحكم ودخل في تعاون وثيق مع صدام حسين على جميع المستويات العسكرية والاقتصادية والسياسية والأمنية، هرع صدام حسين بدباباته لنجدته والاستيلاء على أربيل عام 1996 وأهداه مفاتيح المدينة، وبقي مع الطاغية حتى سقوطه واستقبل واستضاف الكثيرين من مجرمي نظام البعث في أربيل الى يومنا هذا.


إزالة العقبات أمام المشروع

فبل البدء بتنفيذ "مشروع التوريث" كانت الجبهة الكردستانية موحدة الى حدٍ لا بأس بها، وكان هذا من متطلبات مقاومة هجمات المعسكر المعادي المؤلف من آلاف المرتزقة الكرد الى جانب الجيش العراقي على كردستان. هذه الوحدة أصيبت في الصميم بعد شروع ملا مصطفى بتنفيذ "مشروع التوريث". فقد صَمَمَ ملا مصطفى على فرض مسعود على (حدك) شاء أم أبى، وفرضه على بارزان بالقوة أو الدسيسة، ويكون مسنداً من خاله زبير بعد توفير القوة اللازمة له، حوّل الحزب الى أداة طيعة يتحرك حسب هواه، واستولى على جميع السلطات السياسية والإمكانات المالية والعسكرية ونقلها الى مقره الشخصي (مقرّ البارزاني المؤلف من ملا مصطفى – ادريس -مسعود) يقول الدكتور محمود عثمان المطلع على خفايا الأمور:

" القيادة (التي لا تؤمن بالحزبية أصلاً ) بعد بيان آذار بدأت بمدّ نفوذها مباشرة «الى داخل الحزب لعلمها بأن الحزب  سيلعب دوراً مهماَ في هذه المرحلة ) وذلك بفرض بعض العناصر عليه  وكان هذا واضحاَ في المؤتمر الثامن 1970 حيث دخل ادريس ومسعود قيادة الحزب وفرضت عناصر لا حزبية على هذه القيادة ولضمان تطبيق ذلك جلبت بشكل غير شرعي الى داخل قاعة المؤتمر الكثير من العناصر غير الحزبية وبدرجة أخذوا يشكلون حوالي ثلث المندوبين كذلك وجدنا انه بعد بيان آذار ولحدّ انتهاء الثورة أخذ مقرّ البارزاني عن طريق جهاز الباراستن والنفوذ الشخصي يَدُسُ بعناصر موالية له في صفوف الحزب وذلك لإضعافه واضعاف أي دور يمكن أن يلعبه كجهاز قيادي في الثورة  وأخذت الصلاحيات تركز في يد العناصر العسكرية وعناصر الباراستن المطيعة دون نقاش لمقرّ البارزاني...............  وهكذا أخذ دور الحزب ووجوده في الثورة يضعفان يوما بعد يوم وعلى جمع المستويات."  

انتهى دور التدرج الطبيعي في المناصب الحزبية حسب ما ينص عليه الدستور، فرئيس الحزب هو الذي يعين رجاله ويقيل مَن ومتى ما أراد فسادت المحسوبية والمنسوبية. وعندما تجدد القتال في ربيع 1974  كان جهاز الأمن العراقي قد اخترق المناصب الحساسة، السياسية والعسكرية للثورة الكردية، فكانت الجبهات الرئيسية تنهار بسرعة.. ولمعرفة تفاصيل تدجين قيادة (حدك) يرجى مراجعة المصدر السابق وهو بحق تحليل موضوعي للكارثة الكبرى التي صنعها في المقام الأول شخص ملا مصطفى بنزعته الاستبدادية المفرطة وعدم أهليته وتهربه من المسؤولية.

لم يكن المشروع الخفي، مشروع ملا مصطفى وادريس، الأخير وصف "المشروع" بآلـ "هدّام" وعاملاً هاماً لسقوط الحركة الكردية.
ولم يكن مشروع ملا مصطفى وعبيد الله أو لقمان.  
ولم يكن مشروع ملا مصطفى وعثمان (نجل شيخ بارزان) والأخير وقف ضده.
لم يكن المشروع مشروع ملا مصطفى وحسو ميرخان دولمري، وحاجكي جه مي وحسن خال حمزة، أو قادة آخرين من رفاق السلاح لعقود طويلة، أو قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني أو حتى بقية البارزانيين.

كان "المشروع" حصراً مشروع ملا مصطفى ومسعود وجَدّ مسعود محمود آغا الزيباري وأبنائه زبير آغا واخوته. لقد كان مشروعاً يخص العائلة من آخر زوجاته. كانت الحجة واضحة أنّ ملا مصطفى بلغ سن الشيخوخة ولايمكن الانتظار لفرض عملية الوراثة لما بعد رحيله! يجب اتمامها وهو على قيد الحياة.  كان كل شيء ملحاً وضاغطاً لا مجال للانتظار.

لقد تبنى ملا مصطفى المشروع العاطفي رغم العراقيل الكبيرة وافتقاره الى المنطق والشرعية، فحشد كل طاقاته لإزالة كافة العقبات مهما كلف الثمن! ولم يكن ممكناً تحقيق المشروع الاّ عن طريق الأساليب الملتوية والابتزاز والتضليل والعنف والكذب والجريمة. لم يكن مشروعاً يحظى بدعم جماهيري وقابلا للتحقيق الاّ بالتجرد من كافة القيم الوطنية والقومية والإنسانية واستخدام القوة لفرض الأمر الواقع. الانزلاق نحو المزيد من (جاشايه تى)
لقد أظهر كامل الاستعداد للقيام بهذا الدور بغض النظر عن النتائج السلبية الخطيرة على الأمد البعيد. فكان أول خطوة تتمثل في إزالة العقبات مهما غلا الثمن.

القضاء على الرمزية الثورية

هذا التغيير الجوهري الصريح في شخص ملا مصطفى كان مستحيلاً لو كان الانتماء الثوري وقيم العدالة فيه متجذرة، وبكلمة أدق لم يكن (قائداً عقائدياً) ذو ثوابت، فهناك فرق كبير بين أن تكون "ثورياً حقيقياً" وبين أن تتبنى المظاهر الثورية للتضليل! الواقع ومن يتَتَبُع مسيرة حياته يكتشف أنه كان يتبنى المواقف حسب الطلب والحاجة ويتخلى عنها عندما يقرر ذلك من زاوية مصلحته الشخصية. لم يلتزم بأي مبدأ أو ثوابت أخلاقية، لذا لم يجد صعوبة في تبني نقيض ما دعي اليه بالأمس. فالتظاهر بالزهد والتقوى لم يمنعه من تكديس الملايين من الدولارات في منزله، وتقديس بارزان كما كان يتظاهر لم يمنعه من تمزيقها ويجبر أهلها الالتجاء الى نظام صدام حسين وقد تم إبادة جميع الذكور عام 1983 كما هو مُوَثَق. ولم يمنعه التظاهر بالثورية قتل (عضو المكتب السياسي لـ (حدك) إيران سليمان معيني في 15/5/1968 وتسليم جثته الى السافاك الإيراني، "وتجاوز عدد اعضاء (حدك) الإيراني الأربعين مناضلاً، امّا قتلوا أو اعتقلوا وسُلِموا للسلطات الإيرانية من قبل رجال البارزاني."   

لم تكن قيادة الحركة الكردية المتمثلة في شخص (ملا مصطفى) محصنة ومزودة بمضادات "خيانة القضية الكردية" أو عدم تجاوز "المحرمات القومية والوطنية" أو اغتيال قادة الحركات التحررية في الأجزاء الأخرى من كردستان، أو الانخراط في سلك الارتزاق لدولة أجنبية.


كان القادة الكرد من الأجزاء الأخرى من كردستان الذين ذهبوا إلى مناطق كردستان المحررة، على ثقة بنزاهة قيادة ملا مصطفى، ولم تساورهم الشكوك في الجوانب المظلمة من شخصيته ولم يستوعبوا ما حصل لسكرتير الحزب الديمقراطي الكردستاني/ إيران، أحمد توفيق ، اضطرّ إلى الهرب إلى بغداد ليقتله نظام البعث فيما بعد.

قتل في6/6/1971 سعيد إيلجي القيادي في (حدك– كردستان الشمال مع رفيقين وبتواطئ من قيادة (حدك-عراق)  وثم قتل د. شفان – والذي يعتبر عند الكثيرين بمثابة تشي غيفارا كردستاني - مع رفيقين قياديين بأمر من ملا مصطفى في 26.11.1971. وأخفيت الجثث. وكان ذلك موضع ارتياح الساڤاك الإيراني والميت التركي.  تحولت كردستان المحررة الى "مقبرة مجهولة" دفن فيها عدد من أهم أبطال الحركة التحررية الكردية وأصاب الشلل كفاح الشعب الكردي في كردستان الشمالية (تركيا) نتيجة هذه الاغتيالات بأوامر من قيادة ملا مصطفى.

ثم ألقي القبض على (جميل محو) السكرتير العام للحزب الديمقراطي الكردي في لبنان - وهو في زيارة الى كردستان - بتهمة علاقاته مع عبيدالله وأودع السجن، وأيضاً لرفضه شروط قيادة (حدك) في تغيير قيادة الحزب الديمقراطي الكردي في لبنان، ونال الكثير من الشتيمة والاهانة والتعذيب من ملا مصطفى نفسه، فقد دعاه للمثول أمامه ولم يترك له فرصة الدفاع عن نفسه فقد كان في حالة عصبية خارج السيطرة، أمطره بالشتائم والتهديد بالقتل وبتهمة الخيانة العظمى ، أودع السجن دون دليل. كان هناك خوف كبير من تشكيل تحالف واسع مع عبيد الله يفسد مشروع "التوريث" من أساسه، وقد عبّر ادريس صراحة لجميل محو: "اننا نخشى إطلاق سراحك لأنك ستتعاون مع عبيدالله ضدنا." وشارك هذه المخاوف ملا مصطفى نفسه، وكان آخر طلب له من جميل محو بأيام بعد الهزيمة الساحقة، وهو في نقده، ولم يمرّ بعد أسبوعين على إبادة عائلة محمد آغا ميركه سوري، وأن هناك آخرون يجب قتلهم، ومتناسياً 4 أعوام في السجن والتعذيب والاهانات عانى منها جميل، طلب من جميل محو:

"اذا كان في مقدورك أن تقتل ابني عبيدالله فأنا على استعداد لأن أدفع لك المبلغ الذي تريده."
جميل محو لم يرد وقد أصيب بالذهول.  (ص: 253 مذكرات جميل محو).

ولنعد الى مشروع التوريث، في أحيان كثيرة تحديد الأهداف يقرر تحديد وسائل الوصول لتحقيق تلك الأهداف، كان هدف ملا مصطفى واضحاً الا وهو (محو الازدراء في الذاكرة الكردية لرؤساء الجاش) أو (إعادة الاعتبار لهم) وقبولهم كرؤساء وقادة يطاعون، دون أدنى شك يحتم هذا الموقف السباحة ضد التيار السائد في المجتمع، وهذا غير ممكن تحقيقه الاّ بضرب ثقافة المقاومة للارتزاق. وهنا دخل في صراع محموم مع شعبه، لهدم جبهته الداخلية وزاد اعتماده على الخارج، وبالأخص مثلث) سافاك- الموساد –   C I A ولم يأبه بآلام شعبه وشكواه، فقد اعتمد كلية على المساعدات الخارجية والعمل على ترضية الدول المانحة.

لقد تبنت "قيادة حدك) ثنائية الانتماء (بيشمركه /جاش) الشيء ونقيضه، والغريب أن معظم الأحزاب السياسية الكردية الأخرى التي ظهرت بعد ذلك تبنت بدرجات متفاوتة مواقف متناقضة؛ بيشمركة /جاش/. الفساد/ محاربة الفساد، هذه الأحزاب لم تكن محصنة في ثوريتها ومبادئها أمام  قيم الظلم والفساد والارتزاق، فعندما تفاهمت قيادة  (حدك) مع نظام الشاه وفيما بعد مع الجمهورية الإسلامية تبنت مواقف عدوانية ضد الحركة الكردية في كردستان ايران، وبعد التقرب من أنقره دخلت في حرب ضد حزب العمال الكردستاني وحركة التحرر الوطنية لـ (روز آفا) ولاتزال، وعندما تفاهمت مع نظام صدام حسين حاربت الاتحاد الوطني الكردستاني والمعارضة العراقية (المؤتمر الوطني العراقي)، ويترأسها أحمد الجلبى، هذا دون التطرق الى شرعنة السرقات من المال العام وترسيخ منظومة الفساد  وتعميمها في المجتمع .
ارهاب الشعب الكردي:

"استخدم الإرهاب ضد الشعب في السنوات الأخيرة وكذلك ضد منتسبي القوى الوطنية العراقية الموجودة في كردستان بشكل مناف لمصلحة الشعب الكردي مثل اغتيال 12 شيوعياً من تنظيمات اللجنة المركزية واثنين من القيادة المركزية من قبل آمر هيز زاخو وبعلم قيادة البارزاني وكذلك اغتيال مجيد رستم ومحمد حاجي إبراهيم وثمانية أشخاص آخرين معاً في منطقة (خلكان) دون مبرر بأوامر من هذه القيادة وذلك عندما كانوا قادمين لمقابلتها بناءً على طلب الأخيرة  وكذلك إبادة أسرة محمد آغا مركه سوري بأمر من البارزاني، وتسليم خمسة من أعضاء جيش التحرير الشعبي في السليمانية الى حكام بغداد الفاشيست الذين أعدموهم فيما بعد، وغيرها من الجرائم المماثلة."


بدأ بتدمير المنظومة القيمية للمجتمع واستخدم المال والمنصب والقوة والتحايل لبلوغ هدفه.  فرض على المجتمع القبول بالمرتزقة (جاش) كـ "قادة" لهم، ليس هذا فحسب انما فرض الطاعة على قادة بيشمركة مرموقين قاتلوا هؤلاء المرتزقة طوال عقد من الزمن، وأجبرهم على طاعة المرتزق كونه "خال مسعود" فقد وضع أولوية القرابة فوق المؤهلات. قائد بيشمركة ينحني أمام قائد جاش (مرتزق).  لقد أنتج ثقافة جديدة، في نظري هي السائدة الآن في مجتمع إقليم كردستان/عراق، (ثقافة ثنائية) يتمازج فيها المرتزق والثوري، والكفة الراجحة من الناحية العملية هي كفة المرتزق مع الاحتفاظ بالخطاب الثوري في الاعلام الحزبي والحكومي. وهذه الثقافة المتفشية على نطاق واسع مسؤولة بالدرجة الأولى عن الفساد والسرقات المهولة وخضوع الأحزاب وحكومة الإقليم لأجندات بعض الدول المعادية.

لابد من تدمير القيم الرمزية للأشخاص الذين يجسدون روح المقاومة والوطنية الصادقة وصفات النبل والكرامة، أي "الصفوة" وافراغ المجتمع من هذه المبادئ وتعويضها بقيم المرتزقة وعبادة الدولار، فحلّ (زبير آغا) رئيس الجاش محل (حسو ميرخان دولمري) قائد البيشمركه وواحد من الذين لجأوا الى روسيا، أي وضع منزلة زبير فوق منزلة حسو، وحاول فرض الطاعة عليه ليصبح نموذجاً لقادة آخرين لكي يتخلوا عن الروح الثورية وقيم الكرامة والكفاح ضد الظلم والعبودية. ارغام (حسو) على تلقي الأوامر من زبير لكونه خال مسعود كان يعني تدمير القيمة الرمزية والمعنوية لـ (حسو) وللمبادئ الثورية لشعب يخوض صراعاً دموياً من أجل نيل حقوقه كشعب يعيش في وطنه التاريخي.

وفرض نفس المنطق على عثمان شيخ أحمد وعلى أولاده عبيد الله ولقمان ومجموعة أخرى من الشخصيات المعروفة، وعندما رفضوا الإذعان للمهانة عاداهم وضيق عليهم الخناق وهؤلاء اما هربوا أو قتلوا.  لكنه مضى حتى النهاية في محاربة المبادئ الثورية والوطنية، فقد كان يعلم انه لن يستطيع ان يفعل ما يشاء والمجتمع متمسك بالقيم الثورية ومقاومة الظلم، لذا وجب عليه محو المبادئ الثورية من المجتمع ليتحرر هو من هذه القيود، واجبار المجتمع على قبول خلافة مسعود لوالده رغم خلفيته التاريخية والتربوية المرتبطة بقيم الارتزاق.
كان ملا مصطفى في العقد الأخير من حياته قد انضم الى المعسكر الآخر المعادي لقيم الثورة ولقيم بارزان ولم يعد مهتماً بما يقال عنه أو بمستقبل الحركة الكردية، لقد واجهه العديد من العقلاء والمعّمرين الحكماء ومن مختلف المشارب ونصحوه وحذروه من النتائج الكارثية لهذا المنحى، لكنه كان يتملص ويتهرب تحت حجج لا صلة لها بالموضوع، بعدها أصبح أكثر شراسة وأتخذ إجراءات رادعة بحق كل من عارض تسييد المرتزقة كقوة داعمة لضمان توريث السلطة والمال لابنه مسعود بعد وفاته مما أحدث صدمة وخيبة أمل كبيرة في الوسط الكردي.

  وان جاز التعبير، كانت أرباح الشركة التي تحمل عنوان رسمي «الثورة الكردية" وفروعها المنتشرة في مناطق سوران وبادينان بأسماء مختلفة كـ (الحزب الديمقراطي الكردستاني) و (اللجنة المركزية) و (جهاز الباراستن) و (بيشمركه) ومقرّ البارزاني و زيره فاني...... الخ تتجاوز أرباحها – في الحقيقة سرقات - عشرات الملايين من الدولارات وجاء وقت تسليم إدارة الشركة لابنه ليستمر في تحقيق الأرباح. وفعلاً الأرباح التي حققها الابن جعلته ينافس مشايخ الخليج اذ اجتاز الابن مع الأولاد مرتبة التعددية المليونيرية الى التعددية المليارديرية. وان كان الجدّ قد نجى من المسائلة، فان الأولاد والاحفاد هدف لمطاردة العدالة حالياً.

وبدل أن يجني معسكر البيشمركه ثمار النصر – بيان 11 آذار 1970 - بعد كفاح مرير وفق منطق الثورة، إذا بهم يخسرون ويضيع النصر لصالح مجموعة من المرتزقة، بسبب الانقلاب في شخصية قائدهم وتنكره للمبادئ الثورية التي تظاهر بها الى أن أماط القِناعَ عن حقيقته.

تم ارسال الوفود من مقرّ ملا مصطفى الى الموصل حيث المقرّ الرئيسي لمعظم قوات الـ (جاش) التابعين لمناطق بادينان، للتشرف بزيارة محمود آغا الزيباري مع الهدايا والأموال وعلى رأس الوفد (ادريس) نجل قائد الثورة وفُرِضَ عليه هذا الدور المشين وهو مُكرَهٌ لكنه لا يجرؤ على الرفض، بينما يختفي مسعود وراء ظهر والده، كانت فضيحة مدوية. عزيز عقراوي وآخرون وقفوا ضدها مما وضعهم في مواجهة مباشرة مع ملا مصطفى وابنه.

وفي شهر أغسطس 1970 قدّمَ قائد الحركة الهدية الثمينة الأولى المنتظرة لولده مسعود فشكل لخاله (زبير آغا) قوة عسكرية في قضاء عقرة من عشيرة الزيبار منحها حوالي ألف بندقية  (برنو) فتحول مرتزق الأمس الى قائد بيشمركه بين عشية وضحاها وفق إرادة القائد الأعلى للبيشمركه ملا مصطفى. ورفض حسو ميرخان دولمري قائد جبهة عقره-شيخان الامتثال لأوامر ملا مصطفى وكانت النتيجة اقالته وتعرضه لغضب الرئيس المنحاز دون قيد أو شرط (للجاش)..

الجانب الخطر والمنذر بالشؤم ظهر للعلن، ذلك الجانب الذي حذّر منه مراراَ شيخ بارزان (أحمد) واثنين من الصحفيين الأجانب ذوي النظرة الثاقبة الذين شخّصوا بدقة سيكولوجيته، هما دافيد آدمسون البريطاني وكريس كوتجيرا الفرنسي: «في طبعه -يعني ملا مصطفى - شيء سلبي وهدّام".

هذا الجانب الخطر من شخصيته كان الأكثر بروزاً فيما تبقى من عمره، وبالأخص خلال السنوات التي أعقبت بيان 11 آذار 1970 مروراً بإنهاء الحركة الكردية في آذار1975 خلال فَرض القاء السلاح على من أراد مواصلة القتال حتى النهاية. ووصولاً الى السنوات الأخيرة من اقامته في واشنطن الا أن وافته المنية. وقد تَجَمَعَ بين يديه الملايين من الدولارات. ويؤكد هذا الصحفي المصري محمد حسنين هيكل في أغسطس 1975 أثناء مقابلة مع شاه إيران، يذكر له الشاه بالنص:

"لقد كلفتنا عملية كردستان 300 ثلاثمائة مليون دولار."

جميع المساعدات المالية من قبل الدول المانحة كانت تنقل الى بيت ملا مصطفى مباشرةً وتحت تصرفه المطلق، وقد حاور محمد حسنين هيكل ملا مصطفى في طهران:

"أنك كنت تقود الثورة الكردية بمنطق إقطاعي قبلي حتى إن خزينة الثورة الكردية كانت صناديق من المال تحت تصرف ابنك الأصغر الأثير إليك من آخر زوجاتك... ولم يكن يصرف إلا بأمرك، وكأن الصرف على الثورة قضية عائلية أو حتى قضية شخصيه"

للأسف لم يجبه انما تبنى حالة عصبية ليتخلى هيكل عن هذا الموضوع الحساس.  

ثم أمعن في هدم قيم بارزان وتمزيق نسيجها الاجتماعي - بعد رحيل المرشد شيخ أحمد – مباشرة ليتسنى له تنفيذ مشروعه العائلي، وكان يهدد بتصفية حوالي خمسين من شخصيات الطريقة المجازين من قبل (شيخ بارزان) كلهم من وكلاء الطريقة بحجة كونهم خونة، لكن محمد خالد وعثمان ولدي شيخ بارزان عارضا الفكرة.

وبعد بيان آذار 1970 كان الوقت يضيق أمامه لضمان تنفيذ المشروع العائلي، فبدأ بتصفية الحسابات في بيته فكان طرد عبيد الله ابنه البكر وأكثرهم دهاءً، بذريعة العلاقات مع نظام البعث والتجاء الأخير الى بارزان، ثم هدد ملا مصطفى بالزحف على بارزان ان لم يغادرها عبيد الله، وطارد الأب الابن ولم يهدأ له بال الى أن أجبره على المغادرة الى بغداد، كان الصراع العائلي يتلبس لبوس الوطنية والقومية زوراً.


وبالنسبة لرئاسة (عثمان) وتجريده من كافة الصلاحيات فقد شَكَّلَ ملا مصطفى قيادة موازية له مكونة من  عدد من أفراد العائلة مقرها في بلى جنوب بارزان،  ولنصب فخ له، أوعز (ملا مصطفى) الى جهاز الباراستن تهيأت رسالة باسم حسين آغا خدر آغا السورجي  موجهة الى (عثمان) يعرض عليه مساعدته، وحَمَلَها ساع من الباراستن الى (عثمان) لم يشك الأخير بتآمر عمه الى هذا المستوى، فردّ على الرسالة يشكره فيها على رسالته وانه لا يحتاج الى شيء، عاد الساعي في نفس اليوم وسلّمَ الرسالة الى ملا مصطفى ، وقد نجحت خطته للإيقاع بابن أخيه الذي ساعده مراراً في لحظات حرجة عند تقهقر قوات البيشمركه في الجبهات أمام تقدم قوات الجاش والجيش، فكان يرسل سراّ مسلحين من بارزان للتصدي لزحف القوات المعادية.  

هنا أستغل ملا مصطفى رسالة عثمان الجوابية وارسلها الى محمد خالد كدليل على علاقة عثمان بالمرتزقة، يحثه على تنحية عثمان وان يحلّ محمد خالد مكانه، لأن عثمان لا يصلح ان يمثل بارزان، لقد أوقع الفتنة بين الأخوين خدمة لتحقيق مشروعه العائلي، وكل هذا كان يَصٌبّ في مصلحة نظام البعث والمرتزقة الكرد بشكل مباشر. ثم ضيق الخناق عليه بتجريد قوة مسلحة اختار لقيادتها ابن شقيقة عثمان (عبد المهيمن) ليزيد التوتر ويعمق الخلاف داخل الاسرة الواحدة، فتم طرد عثمان ومجموعة كبيرة من أتباعه والتجأ الى نظام البعث المنتشي بهذه التطورات التي تصب في مصلحته مجّاناً.  كانت صدمة كبيرة للبارزانيين أن وجدوا أنفسهم في صراع داخلي لا لزوم له، انما أرادها ملا مصطفى خدمة لمشروع التوريث.



ابادة عائلة محمد آغا ميركه سوري (آذار 1975)
وإبادة البارزانيين في أغسطس 1983

حتى الآن، هذا الموضوع لم يعالج في نظري بشكل موضوعي وبعيد عن العواطف، رغم أن الكثيرين كتبوا عنه مشكورين، خاصة ان ذوي الضحايا أجبروا على الصمت، ففي القضية الأولى مرتكبي الجريمة يسيطرون على المنطقة التي شاهدت الجريمة وفي الجريمة الثانية (قوشتبه) كان صدام حسين في بغداد ماسكاً بزمام السلطة ومتحالف مع مرتكبي الجريمة الأولى حتى عام 2003 وامتدت سيطرة الأخيرة الى يومنا هذا ونحن في بداية عام 2024. كما لا يخفى أنه جرت عمليات تهديد وشراء الذمم على ذوي الضحايا للالتزام بالصمت الكامل والاّ سيندمون.

هناك ترابط عضوي بين جريمتي الإبادة عام 1975 وكان الجاني قيادة (حدك)، والثانية 1983، كان الجاني صدام حسين، والثانية متصلة بالأولى، فسلسلة الأحداث التي أطلقتها قيادة ملا مصطفى لتحقيق "مشروع التوريث" على مدى أربع سنوات، فتحت الباب على تتابع ولادة الأحداث وخروجها عن السيطرة، وهنا نعود الى البدايات لتوضيح الصورة العامة وهذا يقتضي معرفة ما كان يدور في مخيلة ملا مصطفى القائد الأعلى للبيشمركة ورئيس الحزب والحاكم الفعلي لكردستان المحررة، من خلال خطواته الفردية ومواقفه المعلنة وخططه السرّية والمغطاة بعباءة القومية.

هنا لا بدّ من طرح عدد من الأسئلة بعدها نحاول الإجابة عنها عندما تتضح الجوانب الخفية والمسكوت عنها حتى اليوم.  فأول ما يلفت النظر هو أن الجريمة حصلت في آذار عام 1975 مباشرة بعد هزيمة القيادة الكردية، والسؤال الذي يتبادر الى الأذهان هو، بعد أن قررت القيادة الكردية الهرب الى إيران وتصفية الحركة الكردية والقاء السلاح ولم يبقى لها شيء في كردستان تدافع عنه، لماذا أمر ملا مصطفى في هذا الأثناء بتصفية ما بقي من أفراد عائلة محمد آغا ميركه سوري؟ أي ابادة جميع الذكور.؟ لماذا قضى على رشيد وأسعد ولدي محمد آغا وليس لهما أية علاقة بالسياسة؟  ومحمد آغا نفسه على فراش المرض ولم يشكل أي تهديد لملا مصطفى، قتل ودفن مع معطفه الذي أهداه له ملا مصطفى نفسه، وكان يجهل ان المعطف كهدية يكون بمثابة كفنه. تعرفت عليه زوجته (هه مين خانم) وهي والدة فاخر، عندما ذهبت تبحث عن ضحايا الجريمة حول سجن رايات بحوالي اسبوعين بعد 26 آذار 1975، فقد أتت على آثار تربة حفرت حديثاً قرب جدول ماء وبدأوا بنبش الموقع الى أن ظهرت الجثث.

لماذا قضى على الجميع ولم يبق على أحد؟ عندما تُقَرِر البدء بالقتل. لابد أن يكون هناك دافع قوي للغاية، هل هو الخوف منهم؟ أو الشعور بخطر داهم؟ هل نفذت جميع الحلول الأخرى؟ هل فكّرَ بمصير الأطفال الأيتام والنساء الأرامل والبنات بلا معيل ويتجاوز عددهم الستين انساناً؟ أم انه كان بطبعه استئصالياَ لا يعرف معنى الرحمة حتى وان كانوا من أقاربه؟ وهل كان ذلك ضرورياَ لتحقيق مشروع التوريث ويستحق هذا الثمن الباهظ.؟ هل كان الدافع خدمة أهداف وطنية؟ أم مشروع شخصي وعائلي محض؟

كان قد أعدّ العدّة منذ زمن وقد حشّد كل طاقاته وبتصميم وتحدي كل العقبات ومهما كلّف الثمن من أجل تحقيق مشروعه! ولم تكن عملية الإبادة الجماعية لعائلة محمد آغا ميركه سوري سوى جزء من مشروع ضخم كما ذكرناه باختصار في هذه المقالة.

في 14 شباط 1971 اغتال جهاز الباراستن الشاب (جميل) في أربيل، وهو ابن محمد آغا ميركه سوري، وأرسل ملا مصطفى ولديه ادريس ومسعود نيابة عنه لتقديم العزاء "للخال" محمد آغا وهم على قناعة أن عملية الاغتيال جرت بسرّية تامة ولن يُكتَشَفَ أمرهم، ووعدوا الأب بأنهم سيعملون كل ما في وسعهم لكشف الجاني ومعاقبته.  

صادف أن كنت في طريقي الى أربيل، عندما علمت أن السيارة التي تجاوزناها، فيها فاخر ميركه سوري، توقفنا وتوقف فاخر، وقررنا السير مسافة على القدمين بين شقلاوه ومصيف صلاح الدين وسياراتنا تتبعنا على مهل. كان فاخر ممتعضاً بسبب مقتل أخيه (جميل) وأيضاً كان استقبال ملا مصطفى لمحمود آغا الزيباري وأولاده وتبوأ مراكز عسكرية قيادية هامة في قطاع عقره-شيخان موضع سخط ولا يمكن قبوله.

كان لفاخر دائرة واسعة من الأصدقاء فكشفوا له دور جهاز (باراستن) في مقتل أخيه وهوية الجاني (حه مه رؤوف). ثأرَ سعيد شقيق فاخر لمقتل (جميل) وكان من المفروض انتهاء الأمر هنا، لكن ملا مصطفى رفض القبول بهذا، وقبض على سعيد، وقُتِلَ على الفور مع خليل ولم تسلم جثتهما خلافاً لكل الأعراف، وقبض على فاخر وهو عضو في اللجنة المركزية لـ (حدك) وفيما بعد قبض على جميع أفراد العائلة دون استثناء على الطريقة البعثية، وهنا نورد نص ما كتبه عصمت شريف فانلي بصدد أسباب انهيار الحركة الكردية، ويشير الى مقتل فاخر:

" أعدمت المخابرات التابعة لباراستين فاخر ميركه سوري، وهو شيوعي كردي متهم بالعلاقة مع مخابرات البعث، وهو الذي ربح أهم معركة حققتها الثورة على الإطلاق، بطل معركة هندرين في مايو 1966. تم إعدامه دون محاكمة ومع أفراد عائلته، ودون تقديم دليل على خيانته أمام محكمة ثورية.»

قتل فاخر دون الإعلان عنه، وأخفي مكان الدفن، بذلت والدته (هەمین خانم) كل جهدها لمعرفة مصير أولادها دون جدوى، خلال سبع سفرات الى مقرّ ملا مصطفى، لم تتمكن من رؤية لا ملا مصطفى ولا واحد من أولاده، كانت تُطرَد أو تهان من قبل الحراس، لكنها أبت ان تيأس، والفضل يعود لها بعد انهيار الحركة الكردية أنها عثرت على جثث زوجها محمد آغا وآخرين، لكن بقي الى اليوم مكان دفن (فاخر) سراً، يرفض مسعود كشفه.

السمة الأكثر بروزاً في سلوك ملا مصطفى في العقد الأخير من عمره أنه زاد عنفاً وتزايدت أوامر الاغتيالات ومعظمها ضد البارزانيين والقوى اليسارية الكردية والعراقية بشكل عام، كما دمّرَ الحزب وفرض عليه التبعية وتنفيذ الأوامر وفرض المرتزقة على تنظيم البيشمركه في قطاع عقره-شيخان وقطاع رانيه. وأفرغ الثورة من محتواها، في واقع الأمر كان قد هيأ معظم عوامل سقوط الحركة الكردية أمام زحف القوات العراقية عندما تجدد القتال عام 1974. كما لم يبقي على جسور مع المعسكر الاشتراكي والقوى اليسارية في العالم العربي، كان الشاه يغدق الأموال بسخاء وكلها تصل مباشرة الى رئيس الحزب، كان الثراء يتراكم والهزائم العسكرية تتوالى في الجبهات، وكان قراره انهاء الحركة الكردية بمثابة اعتراف صريح بفشل قيادته ومسؤوليته المباشرة عن صنع الكارثة الوطنية، وقد قالها الدكتور محمود عثمان في مقابلة صحفية بصراحة ووضوح:
"لم نواصل المقاومة لأننا أثبتنا اننا قيادة فاشلة ولا نتحمل المسؤولية في الأوقات الصعبة، كان هناك المال والسلاح والعتاد وكثير من المقاتلين ومناطق شاسعة وكان الاستمرار في المقاومة ممكناً، عدم المقاومة كان قرارنا نحن ولم يجبرنا أحد على اتخاذه، وقد اعترف صدام بأنه لم يبقى لدى الجيش العراقي ما يكفي من عتاد المدافع …….."
نتيجة هذه التحولات الكارثية في مستوى القيادة نصل الى المعادلة التالية، من يعتبروهم ملا مصطفى او ابنه كخصوم مثل، عبيد الله بارزاني ولقمان وعثمان ونذير بارزاني وآلاف من البارزانيين، يقضي عليهم صدام حسين.
وفاخر ميركه سوري، أحد أبطال معركة هندرين وكافة اخوانه مع والدهم، وممن تعتبرهم الحكومة العراقية خصوماً، يقضي عليهم ملا مصطفى!
سواء بعلم أو بغير علم قدم الطرفان خدمات متبادلة أحدهم للآخر، كما أن هذا الحضور الكثيف اليوم لأتباع صدام حسين في أربيل دليل على عمق العلاقة بين الطرفين. كل ذلك كان في خدمة مشروع الوراثة! وتقوية منحى الارتزاق على حساب الأصالة الثورية.
وبعد ابادة مجموعات من الكرد الفيلية 1980، البارزانيون في قوشتبه 1983، حلبجه 1988 والأنفال، وفي مشهد فريد من نوعه في التاريخ، وبعد كافة المجازر التي ارتكبها نظام البعث، هرول القادة الكرد الى بغداد ليقبلوا وجنتي أكبر مجرم في تاريخ العراق الحديث صدام حسين، بعد الانتفاضة الكردستانية عام 1991.!
لم يكن هذا ممكناً لو بقيت قيادة الحركة التحررية الكردية متمسكة بمبادئ الثورة وقيم العدالة ورفض الظلم.


أيوب بابو بارزاني 19/3/ 2024 جنيف



ئەو بابەت و هەواڵانەی کە ناوی نووسەرەکانیان دیار و ئاشکرایە، تەنیا
نووسەرەکەی بەرپرسیارە، نەک تەڤداپرێس






وێنە

حالی مسعود بارزانی و ئەولادەکانی بەدەست دادگای فیدرالیەوە
خۆنەچەمێنن
مسعود بارزانی دوای سەرنەکەوتنی لە رواندنی ددانی دەستکرد
براوەی کۆنگرەی چواردە
ململانێی نێوان بنەماڵەی بارزانی

راپرسی

ئایا مەسرور بارزانی لەسەر سكاڵاكەی دادگای واشنتۆن دەیدۆڕێنێت؟